فيضانات القصر الكبير.. معاناة السكان وجشع المضاربين

إعداد: عثمان القدوري

شهدت مدينة القصر الكبير شمال المغرب خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير 2026 فيضانات غير مسبوقة جراء الأمطار الغزيرة التي تهاطلت على حوض وادي اللوكوس. ارتفع منسوب المياه بشكل سريع بعد امتلاء حقينة سد وادي المخازن إلى أقصى طاقتها، فاجتاحت السيول أحياء بأكملها وقطعت الطريق الوطنية والجهوية المؤدية إلى المدينة. اضطر الآلاف من السكان إلى إخلاء منازلهم، وغمرت المياه الممتلكات والمحلات التجارية، بينما تحولت الشوارع إلى بحيرات آسنة. هذه الكارثة الطبيعية كشفت عن جوانب عدة، من هشاشة البنية التحتية إلى تصرفات تجار الأزمات الذين استغلوا ظروف السكان المتضررين.

أسباب الفيضانات وخلفياتها

يعد حوض اللوكوس من أكثر المناطق وفرة بالمياه في شمال المملكة، لكن البنية المائية فيه تعتمد على تدبير معقد للسدود والقنوات. خلال الفترة الأخيرة، تهاطلت الأمطار بغزارة على المنطقة، حيث تجاوزت التساقطات 57 ملم في إقليم شفشاون و12 ملم في العرائش، ما رفع منسوب المياه في السد والنهر بصورة سريعة. بحسب السلطات، أدى امتلاء سد وادي المخازن إلى اتخاذ قرار بفتح جزء من بواباته لتخفيف الضغط، إلا أن هذه العملية تمت بشكل متأخر ودون إفراغ استباقي تدريجي، وهو ما يفسر الحجم الكبير للمياه التي تدفقت نحو المدينة.

هذا التدبير أثار انتقادات واسعة؛ فقد أشار فرع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى وجود ارتباك في إدارة حقينة السد، وحمَّل المسؤولين المعنيين مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات وقائية رغم وجود معطيات مسبقة حول الطقس. طالب الحزب بإعلان القصر الكبير “منطقة منكوبة” لتفعيل القانون المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية وتعويض الأسر المتضررة بشكل عاجل.

التداعيات الإنسانية والمادية

أحدثت الفيضانات خسائر واسعة في الأحياء السكنية، خاصة المرينة، الأندلس، الرحمة، الزهور، ومولاي علي بوغالب، حيث اجتاحت المياه المنازل وأتلفت الأثاث والأجهزة الكهربائية والوثائق. قامت لجنة اليقظة المحلية بإخلاء هذه الأحياء ونشرت حواجز حديدية عند مداخلها لمنع الدخول إليها. كما قررت السلطات إغلاق الطريق الرابط بين العرائش والقصر الكبير والمدخل الجنوبي المؤدي إلى الرباط، ووجهت السائقين إلى طرق بديلة حفاظاً على سلامتهم.

إلى جانب الأضرار المادية، عاش السكان حالة من القلق والهلع، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة وتوقف المدارس والإدارات. وقد انتقلت بعض الأسر إلى ملاجئ مؤقتة خصصتها القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، فيما جرى نقل سكان قرى مجاورة – مثل موارعة وسكوما وعامر – إلى جماعة سوق الطلبة بعد فتح ثغرة في الحاجز الترابي بين النهر وتلك القرى للحفاظ على المدينة.

استغلال التجار للأزمة

بينما ضربت مياه الفيضان البيوت وحاصرت الناس في الظلام، ظهر جشع بعض التجار الذين رأوا في الأزمة فرصة لجني الأرباح. فقد اشتكت مواطنة من القصر الكبير عبر مقطع فيديو متداول من بيع الشمعة الواحدة بسعر 15 درهماً، وهو سعر يفوق العادة بأضعاف. لم يقتصر الأمر على الشموع؛ بل ارتفعت أسعار المواد الأساسية والإيجارات بشكل مبالغ فيه، كما استغل بعض أصحاب سيارات الأجرة الوضع لرفع تسعيرة النقل. هذه الممارسات أثارت غضب السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروها انتهاكاً لمعنى التضامن المغربي في أوقات الشدة.

من جهة أخرى، بادرت جهات رسمية للحد من المضاربات. فقد أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية توفير التنقل المجاني عبر القطارات لجميع سكان القصر الكبير نحو مختلف الوجهات، في خطوة إنسانية وتنظيمية هدفت إلى تسهيل حركة المواطنين ومنع السماسرة من استغلال حاجتهم. كما قامت جمعيات محلية بتنظيم قوافل تضامنية لتوزيع المواد الغذائية والبطانيات على المتضررين، وشاركت فرق الهلال الأحمر المغربي في إسعاف وإجلاء السكان، بما في ذلك مساعدة سيدة حامل من أحد الأحياء المنكوبة.

التدابير الحكومية والدروس المستفادة

استنفرت السلطات المحلية والإقليمية جميع إمكاناتها لمواجهة الفيضانات، حيث تم نشر جرافات وآليات لرفع الأوحال، وبناء سدود رملية على ضفاف اللوكوس، وتنقية قنوات الصرف لتسهيل تدفق المياه. أشرفت لجنة يقظة يرأسها عامل إقليم العرائش على عمليات الإنقاذ والتنسيق بين مختلف المتدخلين، فيما دعت المديرية العامة للأرصاد الجوية المواطنين إلى متابعة النشرات التحذيرية وتوخي الحذر بسبب استمرار الأمطار والعواصف في الأيام المقبلة.

على المستوى السياسي، تشكل هذه الكارثة تذكيراً بأهمية التخطيط الاستباقي لإدارة الموارد المائية ومواجهة الكوارث الطبيعية. ويؤكد خبراء البيئة أن المدن الواقعة على ضفاف الأنهار بحاجة إلى مخططات حضرية تأخذ في الاعتبار المخاطر الهيدرولوجية، مع ضرورة الاستثمار في بنية تحتية قادرة على تصريف المياه. كما تبرز أهمية الوعي المجتمعي ورفض استغلال الأزمات، عبر دعم مبادرات التضامن والتدخل السريع لمساعدة الأسر المنكوبة.

خاتمة

كشفت فيضانات القصر الكبير عن حجم هشاشة المدينة أمام الظواهر الطبيعية، لكنها أظهرت أيضاً روح التكافل التي يتميز بها المجتمع المغربي. وبينما تعرض السكان لمحنة قاسية، أثبتت المبادرات الحكومية والمدنية أن التضامن يمكن أن يخفف من آثار الكوارث. ومع ذلك، يبقى الجدل حول سوء تدبير السدود وارتفاع الأسعار مفتوحاً، ويتطلب تحركاً حقيقياً لضمان عدم تكرار المشهد. إن إعادة البناء وتعويض المتضررين، إلى جانب محاسبة المضاربين وتطوير منظومة الوقاية، هي خطوات ضرورية لاستعادة الثقة وتحويل الدرس المؤلم إلى فرصة لتحسين تدبير الأزمات.

  • Related Posts

    العدوي تحذر من خطورة استغلال تقارير مجلس الحسابات في السياق الانتخابي

    إعداد”حمزة إكردن حذّرت زبيدة العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، من خطورة توظيف واستغلال تقارير المجلس في السياقات الانتخابية والسياسية الضيقة، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تفرغ العمل الرقابي من…

    السلطات تتجه إلى إجلاء سكان القصر الكبير خشية فيضانات مدمّرة

    إعداد “حمزة إكردن تتجه السلطات المحلية بمدينة القصر الكبير إلى اتخاذ إجراءات استباقية غير مسبوقة، من خلال إجلاء سكان عدد من الأحياء المهددة، وذلك على خلفية الارتفاع المقلق لمنسوب المياه…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *