تمهيد
في الذكرى الـ 37 لأحداث الخامس من أكتوبر 1988، خرجت منظمة شعاع لحقوق الإنسان بدعوة مُهمة وجريئة تُحيّي مطالب الديمقراطية والعدالة في الجزائر، مطالبة بقطع الرابط التشغيلي بين الأجهزة الأمنية والنظام السياسي، وضمان استقلال القضاء وتحقيق حُكم القانون على أرض الواقع.
هذا الموقف يمثل صدامًا مع واقع سياسي يميل فيه مركز القرار إلى التوظيف الأمني أكثر منه إلى الأداء المدني والمؤسساتي. فهل هذه الدعوة مجرد شعارات، أم أنها مؤشر على تصاعد الضغط المدني في وجه نظام تسيطر عليه الأجهزة الأمنية؟ لنتناول الموضوع تفصيلاً.
خلفية الانقادات ودور الأجهزة الأمنية في الجزائر
سياسة الأمن كمكوّن محوري في السلطة
منذ الاستقلال، مرت الجزائر بمراحل متعدّدة من توظيف الأجهزة الأمنية – من الأمن العام إلى المخابرات الداخلية – كدعامة أساسية لحفظ النظام ورقابة الفضاء السياسي. في فترات الأزمات، لعبت هذه الأجهزة أدوارًا واسعة في ملاحقة المعارضين، وضبط التظاهرات، والتدخل في القضاء والإعلام أحيانًا.
بمرور الزمن، خلّفت هذه السلطة الأمنية المهيمنة أثرًا متعمّقًا في الأداء السياسي العام: حيث يُنظر إلى القرار السياسي أحيانًا باعتباره نتيجة للتوافق بين أجنحة السلطة الأمنية أكثر منه كنتاج للمنافسة الحزبية أو المشاركة الشعبية.
الاستقرار مقابل الحريات
يُروّج للسياق الأمني باعتباره “ضمانة للاستقرار” في بلد مرت بتجربة العنف والإرهاب في التسعينات، لكن هذه المبرّرات غالبًا ما تُستخدم لتبرير القيود على الحريات، وملاحقة الأصوات المعارضة، وتقييد دور المعارضة والمؤسسات المستقلة.
وبحسب بيان شعاع لحقوق الإنسان، فإن الوضع بلغ “مستوى خطير يستدعي إصلاحات عاجلة وملموسة” إذ تم “اغتيال الحريات بشكل ممنهج” وتحويل القضاء إلى “أداة للتوظيف السياسي”.
مضمون الدعوة التي أطلقتها “شعاع لحقوق الإنسان”
في بيانها بهذه المناسبة، طالبت المنظمة بما يلي:
- إنهاء هيمنة الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية
أي أن تكون الأجهزة الأمنية جهة تطبيق لا جهة صناعة قرار، وأن لا تتدخل في التوجيه السياسي للحكم. - ضمان حياد القضاء واستقلاله عن التوظيف السياسي
القضاء يجب أن يكون فوق النزاع السياسي، لا أداة بيد السلطة لتصفية الحسابات. - إصلاحات عاجلة ملموسة
لا تقتصر الدعوة على الكلام الرمزي، بل تتطلب خطوات تطبيقية: تعديل القوانين، مراجعة التعيينات، فتح مسارات مساءلة، وكبح التجاوزات الأمنية.
الدعوة، إذن، ليست احتجاجًا على دور الأجهزة الأمنية بالحرف، بل على نوعية الدور الذي تؤدّيه، وعلى مدى استفحالها في مفاصل الحكم بعيدًا عن المساءلة والديمقراطية.
التحديات التي تواجه هذه الدعوة
مقاومة الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة
من يُطالب بفك الارتباط بين السلطة السياسية والأمن، يواجه جهازًا ضخمًا له قواعد تأييد وتغذية داخل الجهاز الحكومي: تمويل، امتيازات، شبكات مصالح ومخابرات داخلية. هذا الهيكل لن يتنازل بسهولة.
غياب استقلال مؤسسات حقيقية
حتى إن صدرت قرارات للاصلاح، فإن المؤسسات التي يُفترض أن تنفذها (القضاء، البرلمان، مفوضيات الحقوق) غالبًا ما تفتقر إلى الاستقلال والحرية. الإصلاح الهيكلي يتطلب إعادة بناء هذه المؤسسات من القاعدة إلى القمة.
ضعف المجتمع المدني والمراقبة الشعبية
المجال المدني في الجزائر يواجه ضغوطًا كبيرة، من تشريعات مضادة إلى التضييق على الجمعيات والنقابات واعتقال النشطاء. هذا يضعف القدرة على الرقابة الشعبية الفعلية ويدفع الدعوات الإصلاحية إلى أن تبقى بيانًا بلا غطاء.
السياق الأمني القوي كذريعة
أي محاولة لإصلاح العلاقات بين السياسة والأمن قد تُقابل بتبرير “التهديدات الداخلية أو الخارجية” (الإرهاب، الفوضى، التآمر). النظام قد يستغل أي حادث أمني ليردّد أن التقييد ضرورة لا رفاهية.
الدلالات السياسية والاجتماعية
إشارة إلى تصاعد حِسّ المطالبة بالإصلاح
ظهور مثل هذه الدعوى من منظمة حقوقية يشير إلى أن الحملة على الطلبات الديمقراطية لم تُخمد بعد في الجزائر، وأن هناك قطاعات ما تزال تناضل من أجل تصفية إرث السلطة الأمنية الممسكة بالدولة.
افتراق بين خطاب الحكم والممارسة
السلطة الجزائرية كثيرًا ما تستعمل شعارات “الجزائر الجديدة”، و”محاربة الفساد” و”توسيع الحريات”، لكن الممارسة على الأرض تظل محكومة بأسلوب أمنوي قوي يُركّز على السيطرة أكثر من الاستجابة لمطالب المجتمع.
اختبار لمدى الاستجابة الداخلية والدولية
إن استجابت السلطة لهذا النوع من الدعوات قد تكون مقياسًا لمدى تحول فعلي في العلاقة بين الدولة والمواطن. كما أن استجابة المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والضغط الدولي، قد تلعب دورًا مساندًا أو ضاغطًا في دفع الإصلاح قُدُمًا.
خاتمة وتوصيات مقترحة
الدعوة التي أطلقتها “شعاع لحقوق الإنسان” تمثل خطوة رمزية لكنها مهمة في محاولة إعادة التوازن إلى المشهد السياسي الجزائري، من خلال طرح فكرة أن الأمن يجب أن يكون خادمًا للسيادة الشعبية وليس بديلاً عنها.
لكي لا تظل الدعوة مجرد شعار، إليك بعض توصيات قد تُساهم في ترجمتها إلى فعل:
- إطلاق مبادرات تشاورية وطنية تجمع حقوقيين، قضاة مستقلين، نخبة سياسية وشبابية لمراجعة العلاقة بين السياسة والأمن.
- إدراج ضمانات دستورية واضحة تمنع تولِّي ضباط أمن مناصب تنفيذية مدنية دون مساءلة قوية.
- تمكين مؤسسات مراقبة مستقلة (هيئة لمكافحة الفساد، مفوضية حقوق الإنسان، مراكز مراقبة الانتخابات) تكون ملزمة بتقارير دورية شفافة.
- فتح المجال أمام الإعلام الحر والمنظمات الحقوقية لمراقبة التصرف الأمني، وفضح التجاوزات القانونية.
- التعاون مع الآليات الأممية والإقليمية لحقوق الإنسان لدعم مراقبة حيادية ومساءلة دولية.
إذا أحببت، أستطيع أن أرسل لك نسخة مقترحة للنشر في جريدة، أو تحليل للرئيسية التي قد تردّ السلطة عليها، أو مقارنة مع تجارب دول عربية واجهت هيمنة الأجهزة الأمنية على السياسة. هل أعدّ لك ذلك؟






