إعداد : عثمان القدوري
يتسابق العالم اليوم نحو التحول الرقمي ودمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والخدمات العامة. المغرب، الذي أطلق استراتيجية طموحة تحت عنوان «Morocco AI 2030»، اختار التعاون الدولي ركيزة لتسريع هذا التحول. في العامين الأخيرين، شهد المغرب زيارات رفيعة المستوى من مسؤولين أمريكيين وشراكات مع شركات تكنولوجية دولية تستهدف تطوير البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتعزيز السيادة التكنولوجية للبلاد. فما أبرز معالم هذا التعاون وما الأهداف المرجوة منه؟
شراكة مع وكالة التجارة والتنمية الأمريكية
خلال زيارة إلى الرباط في منتصف عام 2024، بحثت جريتشن كرانز إيفانز، المديرة الإقليمية لوكالة التجارة والتنمية الأمريكية (USTDA)، مع وزيرة الانتقال الرقمي غيثة مزور سبل تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي. شددت إيفانز على أن الوكالة ستوفر مساعدات تقنية ودراسات جدوى لتنفيذ مشاريع التحول الرقمي بالمغرب، مؤكدة ضرورة الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ عبر آليات متابعة واضحة. كما رحّبت بتبني مبادرة «AI Made in Morocco» وبإنشاء معاهد «الجزري» التي تهدف إلى تكوين أجيال متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
محاور التعاون
- إدارة البيانات والحوسبة السحابية: تركز المناقشات على بناء بنية تحتية متقدمة لإدارة البيانات، بما في ذلك مراكز بيانات وطنية وخدمات حوسبة سحابية، لضمان السيادة الرقمية وحماية المعطيات.
- التكوين وبناء القدرات: يدعم الجانب الأميركي برامج تدريب لفائدة الشباب والمهنيين المغاربة في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف تهيئة كفاءات محلية قادرة على قيادة التحول.
- إحداث آليات متابعة: اتفق الطرفان على وضع آليات لتتبع تنفيذ المشاريع لضمان الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التطبيق العملي.
استراتيجية «Morocco AI 2030»
على الصعيد الوطني، كشفت وزيرة الانتقال الرقمي أن المغرب يسعى إلى إضافة 100 مليار درهم إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وتشمل الخطة:
- بناء مراكز بيانات عملاقة تعمل بالطاقة المتجددة: يجري التحضير لإنشاء مركز بيانات بطاقة 500 ميغاواط في الداخلة ليدعم احتياجات الذكاء الاصطناعي ويستفيد من مصادر الطاقة النظيفة.
- تكوين الموارد البشرية: تهدف المبادرة إلى توفير 50 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في هذا المجال، مما يعزز الكفاءات المحلية.
- استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية: خصصت الحكومة 11 مليار درهم للفترة 2024 – 2026 لتطوير شبكات الألياف البصرية ومراكز البيانات، إلى جانب سن تشريعات لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي.
- شراكات مع شركات عالمية: وقعت الحكومة اتفاقيات مع شركات مثل Mistral AI لتطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية، بما يضمن نقل التكنولوجيا والخبرة.
تحليل: لماذا التعاون الدولي؟
يعد التحول الرقمي مشروعاً معقداً يحتاج إلى استثمارات ضخمة وخبرات متعددة. ومن خلال التعاون مع وكالات أمريكية وشركات عالمية، يستفيد المغرب من التمويل والدعم الفني ونقل التكنولوجيا، كما يعزز قدرته على مواكبة التغيرات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي. يساعد هذا التعاون أيضاً في ضمان الأمن السيبراني وحماية البيانات، لاسيما مع تزايد أهمية البيانات في الاقتصاد الرقمي.
إضافة إلى ذلك، فإن الشراكات الدولية تدعم توجه المملكة نحو السيادة الرقمية؛ فمن خلال إنشاء مراكز بيانات في الداخل واستخدام مصادر طاقة متجددة، يسعى المغرب إلى امتلاك بنيته التحتية الخاصة بعيداً عن الاعتماد على مقدمي خدمات خارجيين. كما أن الاستثمار في تأهيل الشباب والمهنيين عبر معاهد «الجزري» يجعل من التعاون الدولي فرصة لتبادل المعرفة وتطوير المهارات.
تحديات أمام التنفيذ
على الرغم من الطموح الكبير، تبقى هناك تحديات ينبغي التعامل معها:
- ضمان استدامة التمويل وتنويع الشركاء: فالاعتماد على شريك واحد قد يحد من الخيارات التقنية ويخلق تبعية جديدة.
- تهيئة الإطار القانوني: يجب تسريع إعداد تشريعات خاصة بحماية المعطيات الشخصية وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي لضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
- التوزيع العادل للمشاريع: ينبغي أن تستفيد الجهات كافة من البنية التحتية الرقمية الجديدة، خاصة المناطق الريفية والنائية، لتقليص الفوارق في الوصول إلى الخدمات الرقمية.
خاتمة
يظهر تعاون المغرب مع شركائه الدوليين في مجال التحول الرقمي أن المملكة تأخذ موقعها بجدية في الثورة التكنولوجية العالمية. فاستراتيجية «Morocco AI 2030» التي تسعى إلى استثمار مليارات الدراهم في البنية التحتية وتكوين الموارد البشرية، إضافة إلى دعم وكالات مثل USTDA، تُعد مؤشرات قوية على التزام البلاد بإحداث نقلة نوعية. بيد أن النجاح يتطلب استمرار التنسيق، وتوسيع الشراكات، وتطوير الإطار التنظيمي لضمان استفادة كل المواطنين من ثمار التحول الرقمي.






