احتجاجات تندوف تتصاعد: شباب قبيلة أولاد دليم يواجهون البوليساريو

إعداد: عثمان القدوري

عرفت مخيمات تندوف بالصحراء الجزائرية، نهاية شهر يناير 2026، حالة من الغليان غير مسبوقة بسبب احتجاجات قادها شباب من قبيلة أولاد دليم ضد قيادة جبهة البوليساريو. هذه الاحتجاجات كشفت عن عمق الصراعات القبلية داخل المخيمات وهشاشة المؤسسات الأمنية والقضائية التابعة للجبهة.

خلفية المخيمات وتوترات سابقة

تعد مخيمات تندوف، التي تديرها البوليساريو جنوب‑غرب الجزائر، مركزاً لمئات الآلاف من اللاجئين الصحراويين منذ سبعينيات القرن الماضي. وتكررت داخل هذه المخيمات حالات التوتر والصدامات بسبب الصراعات القبلية وضعف المؤسسات القضائية، ما يدفع السكان للاعتماد على انتماءاتهم العشائرية لحل خلافاتهم. شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات متعددة، من بينها تحرك قبيلة السكارنة وأولاد دليم سنة 2023 بسبب نزاع حول قطعة أرضية في مخيم بوجدور، تطور إلى مواجهات بالأسلحة النارية وفجر موجة غضب على ضعف سلطات البوليساريو.

شرارة الاحتجاجات الجديدة

في ليلة الجمعة 31 يناير 2026 وصباح السبت 1 فبراير 2026، اندلعت موجة احتجاجات عنيفة قادها شباب من قبيلة أولاد دليم. ووفقاً لعدد من المواقع الإخبارية المحلية، فإن المحتجين أضرموا النار في إطارات مطاطية عند مفترق الطرق الرئيسي الذي يربط منطقة الرابوني ببقية المخيمات، ما تسبب في شلل شبه كامل لحركة التنقل وأربك الأجهزة الأمنية للبوليساريو. كما قام المحتجون بحرق خمسة مواقع إستراتيجية داخل المخيمات، من بينها مكاتب تابعة لما يسمى “محاكم البوليساريو” في مخيمات العيون والسمارة وأوسرد، إضافة إلى إحراق منصة مغطاة بالزنك والمطاط في مخيم بوجدور. ورغم أن الخسائر اقتصرت على الماديات ولم تُسجل إصابات بشرية، فإن اختيار هذه المواقع يعكس رغبة المحتجين في إرسال رسالة واضحة بأنهم لا يثقون بالمنظومة القضائية والأمنية للجبهة.

مقتل الشاب رحماني.. السبب المباشر

تجمع المصادر على أن سبب الاحتجاجات المباشر كان قرار قيادة البوليساريو إغلاق ملف مقتل الشاب رحماني ولد أحمد ولد البشير، وهو شاب ينتمي إلى قبيلة أولاد دليم قُتل في ظروف غامضة بمخيم السمارة في ديسمبر 2025. بررت الأجهزة الأمنية إغلاق الملف بزعم أن الضحية كان متورطاً في الاتجار بالمؤثرات العقلية، لكن القبيلة رأت في ذلك تواطؤاً لحماية القتلة وتجاهلاً للعدالة. هذا القرار أشعل الاحتقان الذي كان كامناً منذ فترة، حيث اتهم المحتجون المنظومة القضائية بـ«الفساد والمحسوبية القبلية».

رسائل سياسية واجتماعية

لم تقتصر الاحتجاجات على المطالبة بكشف الحقيقة في قضية رحماني، بل حملت رسائل أعمق ضد الفساد وغياب الشفافية في إدارة المخيمات. إحراق المكاتب القضائية يبرز فقدان الثقة في «محاكم» البوليساريو، بينما قطع الطرق الحيوية يؤكد فشل الأجهزة الأمنية في احتواء غضب السكان. كما أظهرت الأحداث اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل أكثر من مخيم في وقت واحد، ما يوضح تصاعد قوة الانتماءات القبلية وقدرتها على تحدي السلطة المركزية للجبهة.

انعكاس ضعف السيطرة الأمنية

تحولت منطقة تندوف إلى ساحة مواجهة، إذ أظهر شلل الحركة وانسحاب قوات «الشرطة الصحراوية» عجز البوليساريو عن فرض النظام. العديد من التقارير أشارت إلى أن الأجهزة الأمنية وقفت عاجزة أمام غضب المحتجين. هذا الضعف يعمق الشعور بفقدان الشرعية ويشجع القبائل على أخذ زمام الأمور بأيديها، خاصة مع تراجع دور المؤسسات الحقوقية والنقابية داخل المخيمات.

تداعيات محتملة

تشير التطورات المتلاحقة إلى أن تندوف تقف على حافة تصعيد أكبر. فاستمرار الاحتجاجات وتوسعها إلى مخيمات أخرى قد يهدد باندلاع مواجهات أوسع بين القبائل والميليشيات التابعة للبوليساريو، خصوصاً مع وجود ملفات أخرى تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان والتمييز القبلي. كما أن استمرار تجاهل مطالب العدالة قد يؤدي إلى تحركات أشد عنفاً، في ظل غياب آلية مستقلة للتحقيق ومحاسبة المسؤولين.

الخلاصة

تفضح احتجاجات قبيلة أولاد دليم في مخيمات تندوف هشاشة النظام القضائي والأمني التابع للبوليساريو، وتسلط الضوء على عمق الصراعات القبلية وغياب العدالة. إن تجاهل المطالب المشروعة للقبائل وطمس الحقيقة في قضية مقتل رحماني ولد أحمد ولد البشير لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد. المطلوب اليوم حوار شفاف يضمن المحاسبة ويعيد الثقة للسكان، وإلا فإن جمر الاحتقان سيستعر من جديد، وربما يحرق ما تبقى من شرعية البوليساريو في نظر من يفترض أنهم تحت حمايتها.

  • Related Posts

    أمازون تطلق منصة “AI Studio” لإنتاج الأفلام والمسلسلات

    إعداد : عثمان القدوري أطلقت شركة أمازون في 4 فبراير 2026 مبادرة داخلية اسمها “AI Studio” ضمن Amazon MGM Studios بهدف تسريع عملية إنتاج الأفلام والمسلسلات. وقاد هذه المبادرة التنفيذي…

    العدوي تحذر من خطورة استغلال تقارير مجلس الحسابات في السياق الانتخابي

    إعداد”حمزة إكردن حذّرت زبيدة العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، من خطورة توظيف واستغلال تقارير المجلس في السياقات الانتخابية والسياسية الضيقة، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تفرغ العمل الرقابي من…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *